ثلاث مُحاورات فلسفية
بدفاعه عن المادية والتاريخ في محاوراته، يقدم العظم
الدليل الحي على الصراع الدائم والمستمر بين المثالية والمادية، مبرزاً الأشكال
الذي اتخذه هذا الصراع في عصرنا الحديث. نعم، كانت الفلسفة ولازالت حقل معركة
(كانط)، لكن بدون حدود فاصلة بين المعسكرين (المادية والمثالية)، كما يمكن أن
نتصورها في حقل معركة حربية بين عدوين، بل كانت المواقع كثيراً ما تتبدل، وكان من
الصعب تحديد "الحلفاء" من "الأعداء" بدون رفع سلاح النقد في
وجه كل نسق فلسفي براق، بهدف نزع كل قناع خادع. ويجري كل ذلك بارتباط وثيق
بالتحولات التي يعرفها الصراع الطبقي، والتحولات التي يعرفها العلم وتطبيقاته. مع
تأكيد العظم على الدور الحاسم لهذا الأخير. وليمتد اثر هذا الصراع إلى حقول أخرى
من سياسة وفن بشتى تعبيراته، والعلوم الإنسانية أوالتاريخية.
من الفلسفة الحديثة إلى الفلسفة المعاصرة
قبل أن يصحبنا العظم في مهمة "الاشتباك" مع
أهم الاسهامات الفلسفية التي طبعت عصرنا الحديث، سينطلق من نقد "التناول
التفتيتي" ، "اللاتاريخي" لتاريخ الفلسفة... ف "لا تجد تواريخ
الفلسفة أية صعوبة تُذكر في العودة عدة قرون إلى الوراء لدراسة نسق فلسفي معين ــ
دون إبداء أي اهتمام جدي بالنسبة للظروف الاجتماعية والفكرية والثقافية التي نشأ
فيها ذلك النسق أو البحث عن مصادر تاريخية فاعلة ومؤثرة خارج النصوص الفلسفية
المعروفة والمتعارف عليها"... ومدافعا عن المعالجة الجدية لتاريخ الفلسفة
بمنظور تاريخي على يد هيجل الذي "عدَ التعاليم الفلسفية لعصر ما بمثابة
التعبير الفكري والثقافي الأكثر رقياً عن "روح" ذلك العصر وبما أن هذا
الروح يعبر عن نفسه في بقية تجليات العصر أيضاً (اقتصاد ، اجتماع، سياسة، علم، فن،
...) فإن أي فهم جدَي للتعاليم الفلسفية يصبح متعذراً دون الرجوع إلى تجليات العصر
الرئيسية الأخرى ومصدرها الأولي والأصلي...
وبدون الدخول في التفاصيل المتشعبة للحوار -- والحق
يُقال أننا يمكن أن نعتبره برنامجاً للتثقيف والتكوين الفلسفي (خصوصا بالنسبة لغير
المتخصص مثل صاحب هذه المراجعة) – يركز العظم على الدور الحاسم الذي لعبته الثورة
الكوبيرنيكية (جاليليو ونيوتن) والمادية الميكانيكية التي أحدثتها... واعتبر أن
الفلسفة الحديثة هي عملياً جدل المحاولات المتنوعة للتعامل مع المادية الميكانيكية
إما إيجاباً أو سلباً ، أو تعايشاً مهما كان هذا التعايش... : كانط والمثالية
الذاتية ، لايبنز والمثالية الذرية ، باركلي والتجريبية الحسية، وهيغل والمثالية
التاريخية...
الثورة العلمية أحدثت ثورة داخل المثالية ذاتها وأخصبتها
، من هنا المحاولات المتنوعة لإعادة صياغتها وتقديمها بأشكال جديدة...
في المقابل تكمن الثورة الكوبيرنيكية التي أنجزها ماركس
في "إصراره على تاريخية البنية الاقتصادية-الاجتماعية وصيرورتها في مواجهة
سكونية الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، وعلى تاريخية الطبيعة وصيرورتها في مواجهة
المادية الميكانيكية ، وعلى تاريخية الذات البشرية الفاعلة وصيرورتها طبيعياً واجتماعياً
في مواجهة كل أشكال المثالية والروحانية والماهوية ..."
في الفلسفة المعاصرة
على الرغم من الزخم الكبير في الانتاجات الفلسفية نهاية
القرن 19 ودخولا القرن العشرين، فإن العظم يؤكد أنه "لا توجد مدرسة فلسفية
مهمة واحدة ... لم تصطدم بالماركسية أو تتفاعل معها ... إما ضمناً أو صراحةً
..." ويقدم لنا المثال الشهير للمشروع الفلسفي لكارل بوبر ونظرية
"امكانية البطلان" ... وباعتراف هذا الأخير في محاولته إخراج الماركسية
والتحليل النفسي من دائرة العلم ... وهناك آخرين بطبيعة الحال (ماكس فيبر،
سوبمارت، دوركهايم، باريتو، شومبتر...)
والفكرة الغالبة والمميزة لجل هذه التيارات الفكرية هو "فكرة
"الظاهرة" التي أبرزها كانط تُقدم، إذن، المنطق الوسطي الممتاز لأنها
ليست مادة كما أنها ليست مثالاً أو روحاً في الوقت ذاته. إنها حالة من الحياد
الإيجابي بين الطرفين. مهمة العلم والفلسفة تغدو محصورة بدراسة الظواهر وتصنيفها
وتفسير ترابطها الخ بمنهج "علمي" "موضوعي" "محايد"
لا يميل إلى المادية في تعليلاته من جهة ولا ينحاز إلى المثالية في تفسيراته من
ناحية ثانية ..."
وهنا سيتوقف العظم ببعض الإسهاب على ظاهرية هوسرل
لتفنيد حياديتها المزعومة. فبعد تعليق هذا الأخير الوجود المستقل عن الوعي فلن يبقى من الصرح الفينومينولوجي سوى الوعي
والظواهر والأفكار وكلها كائنات لا مادية. ليخلص المحاور أن : "1) أن الحياد
الفينومينولوجي المزعوم ليس إلا رفض هوسرل وأتباعه للمادية من ناحية أولى
وللمثالية الموضوعية من ناحية ثانية لصالح مثالية ذاتية تميل في بعض الأحيان إلى
تأكيد أولوية الذات الفردية وتميل في أحيان أخرى إلى تأكيد أولوية الذات الكلية.
2) إن العنصر الحاسم في حياة البشر وتاريخهم هو الروح ولكن ليس بتصورها الهيجلي
بالتأكيد." وليعود العظم في مكان آخر ليؤكد أن موضوعية الفينومينولوجيا هي
موضوعية ما تتفق عليه الذوات في ما بينها بالنسبة للظواهر المتبدية لها وليست لها
أية علاقة بموضوعية الموضوعات المستقلة عن الذات ووعيها ...
لينتقل إلى هايدجر الذي دفع الظاهراتية إلى
حدودها القصوى بالرفض المطلق للحيادية والموضوعية والعلمية ... ليستنتج العظم أن
المشروع الفلسفي لهايدجر هو "أكثر المشاريع الفكرية-الفلسفية في القرن
العشرين طموحاً وتفصيلاً وشمولاً ومهارة في الهجوم على العلم وتسفيه التقدم وتتفيه
العقل ورفض استقلالية الطبيعة وإنكار المعرفة الموضوعية وإلغاء فاعلية الإنسان.
ذلك كل لصالح استعادة تصور فلسفي – ايديولوجي مثالي – ذاتي، هو في العمق لاهوت
وجودي تصوفي، وتأكيد أولويته المطلقة من جديد. هايدجر لا يرفض التصور العلمي –
الفلسفي العام الذي تأسس وتطور امتداداً من جاليلو وهوبز إلى داروين وماركس فحسب،
بل يرفض أيضاً التصورات القديمة التي نشأت تحت تأثير إنجازات العلم اليوناني القديم
والعقلانية الكيفية – التصنيفية التي رافقته ..."
ويُعرج العظم على التشابه والتلاقي بين هذه الفلسفة
والتيارات الإسلامية عندنا مثل المودودي ... معتبراً إياها كرد فعل رومانسي قوي
على الحداثة Modernity بمعنى حركة التاريخ
الاوروبي ونتاجها منذ عصر النهضة والإصلاح الديني اللوثري حتى اليوم، وصعود نمط
الإنتاج الرأسمالي وتوسعه ... ردة الفعل التي تقود صاحبها إلى الانسحاب الروحي من
العالم الحديث ...
سيتوقف بعد ذلك جلال العظم عند جورج لوكاتش
الشاب، صاحب "التاريخ والوعي الطبقي" الذائع الصيت، معتبراً إياه المؤثر
الرئيسي في الفلسفة الوجودية، بل ويؤكد أن "الوجود والزمان" المؤلف
الرئيسي لهايدجر هو نوعا ما رد على مؤلف لوكاتش المبكر. محدثاً هذا الأخير نوعاً
خاصاً من "اللاهوت" البروليتاري التاريخوي الإرادوي اليساري بتأثير من
المناخ الفكري والثقافي السائد آنذاك. ويُذكرنا العظم كيف أرخ لوكاتش انتقاله من
العداء الرومانطيقي للرأسمالية إلى مواقف الماركسية ... ومقارناً هذا التحول مع
تطور وجودية سارتر الذي لم يعرف نفس الانتقال الفكري بالرغم من مواقفه
السياسية تجاه الرأسمالية والامبريالية ... وبقت ماركسيته متأثرةً بلوكاتش الشاب
وهوسرل وهايدجر حيث انحدرت وجوديته إلى فلسفة لليأس والباب الموصد والطريق المسدود
عملياً وللوعي الشقي انطولوجياً ... معتبراً أن المزاوجة بين الماركسية والوجودية
مستحيل بدون التضحية بمادية الماركسية ...
الماركسية البنيوية وما بعدها
لينهي الفيلسوف العظم دفاعه عن المادية والتاريخ بالتطرق
في حواره الثالث إلى الماركسية البنيوية وسيتوقف بإسهاب نسبي عند ألتوسير
وفرقته ... منتقداً الاستناد على المفهوم التصوري المحض والشكلاني الخالص لطبيعة
اللغة ...
وعلى غرار استخدام لوكاتش الشاب هيجل لإنجاز تأويل يُطهر
الماركسية من المادية وبخاصة المادية العلمية. "استخدم ألتوسير الهجوم على
هيجل لإنجاز قراءة للماركسية تحقق الهدف ذاته مستعيناً بالجوانب الأكثر تصورية في
فلسفة سبينوزا والجوانب الأكثر شكلانية في البنيوية اللغوية والجوانب الأكثر
مثاليةً في التأويل التواضعي – الصوري المعاصر لطبيعة العلم والمعرفة
العلمية". وينتقد أيضاً مفهوم القطيعة الابستيمولوجية بين هيجل وماركس كما
يتصورها ألتوسير.
كما يكشف لنا العظم عن خلفية الهجوم على التجريبية بكونه
هجوم مقنع على الواقعية المادية، نتيجة جهله أو تجاهله للأبحاث العلمية الحديثة
لصالح الاتجاه التواضعي – الصوري في فلسفة العلوم وتفسيره لطبيعة المعرفة العلمية
ومنشئها لصالح التيارات الأكثر تشدداً في شكلانيتها وصوريتها داخل الاتجاه ذاته
ولصالح فرض ذلك كله على ماركسية ماركس عموماً وكتاب "رأسمال" خصوصاً ...
بالإضافة إلى جوانب أخرى من التدخل النظري لألتوسير ...
بطبيعة الحال، لا يمكن إلا أن نعترف بالتعسف الكبير في هذه المراجعة ، حيث
أهملنا العديد من الأوجه الأخرى لنقد الفلسفة المعاصرة ، والتعرجات التي قام بها
صادق جلال العظم في رحلته الممتعة ، من قبيل فوكو وفيتنشتاين ... كما يجدر بالذكر
أن محاورنا لم يسقط قط في أية إدانة أو محاكمة بابوية لجل التيارات التي اصطدمت
فكرياً بالمادية ...


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق