الأحد، 19 أبريل 2020

من أجل "نقد" نقد "الشعبوية"


يبرز بين حين لآخر "مفهوم" "الشعبوية" في الصراع السياسي بين أطراف معينة حول قضية ما. ومؤخراً ومع لجوء الحكومة المغربية للاستدانة من الخارج في مسعاها لمواجهة جائحة كرونا، طفى إلى السطح مرةً أخرى هذا "المفهوم".
وصراحةً ما أثارني أكثر هو استعماله من طرف ما يسمى بصانع المحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي مصطفى سوينغا SWINGA صاحب قناة "أجي تهم على اليوتوب". أنا شخصيا معجب بالمجهود الكبير الذي يقوم به هذا اليوتوبر من تبسيط وطرح نقاشات بشكل جدي ورزين على نطاق واسع. عبّر سيونغا عن حنقه من التعليقات على فيديو التي تُدين التجاء الدولة للديْن، معتبراً إياهم ب "الشعبويين". ويشرح "الشعبوية" بكونها أن تقول ما يريد الشعب أن يسمع كطفل صغير. سيتدارك الأمر مباشرة بالتراجع قائلاً بأن الشعب لا يخطئ دائما. حاولت ما أمكن أن أنقل ما قاله بالدارجة.
اُستعمل "المفهوم" أيضاً في مناسبات مغربية أخرى. مجموعة من المثقفين والاكاديميين والصحفيين سيصفون بعض الشخصيات السياسية من قبيل عبدالاه بنكيران وشباط وحتى الياس العمري ب "الشعبويين".
"المفهوم" مُستورد من الغرب، في سياق صعود ما يسمى باليمين المتطرف واحرازه نتائج انتخابية في بعض البلدان (الولايات المتحدة الامريكية ، حركة النجوم الخمس ايطاليا، النمسا). بل هناك من يعتبر أن هناك "شعبوية" يسارية كذلك مثل بوديموس في اسبانيا وسيريزا في اليونان.
بعد الاطلاع على بعض المقالات، يبدو أن الكلمة هي نعت وتوصيف أكثر من كونها مفهوماً نظرياً متماسكاً، واستعمالها يكون في الغالب قدحياً. لقد أراد صانعو هذا "المفهوم" أن يكون كذلك بنشره على أوسع نطاق وباستعماله الكثيف اعلامياً... بتسخير جيش من المثقفين والاكادميين...
المهم، هذه هي أهم ما تتسم به "الشعوبية" حسب صناعها:
§       خطاب تبسيطي شديد لقضايا مجتمعية معقدة...،
§       تحدي المؤسسات التقليدية الديمقراطية ومحاولة نزع الثقة عنها...،
§       التلاعب بعواطف الناس وأفكارهم...،
§       الموقف السلبي من العولمة (يساراً ويميناً)...،
§       معارضة النخب السياسية والاقتصادية والاعلامية بالشعب...،
§       اعتبار الشعبوي نفسه هو الناطق الرسمي باسم الوطن والشعب...،
§       في الاسلوب كذلك حيث ترى الشعبوي يستعمل لغة الشارع في مخاطبة جماهيره...،
§       لا عقلانية ولا واقعية المطالب الشعبوية خصوصاً في شقها الاقتصادي (يحضرني هنا أن محمد الوافا  أيام كان وزيراً منتدب مكلف بالشؤون العامة والحكامة في النسخة الثانية لحكومة عبدالاه بنكيران ما قاله في البرلمان مجيباً على سؤال حول ارتفاع الاسعار بأن حتى انخفاض الاسعار أو ما سماه déflation ليس جيداً للاقتصاد... هذا راه سميتو العلم... )...،
في الأصل.
هي الحركة الاشتراكية الفلاحية في روسيا القرن 19. كانت نارودنيكي Narodniki وهي الشعب بالروسية، لتصبح في ما بعد نارودنايا فوليا Narodnaia Volia وهي "ارادة الشعب" أو "حرية الشعب" بالروسية. هذه المنظمة الأخيرة كانت تستعمل أسلوب الارهاب في نضالها، حيث تمكنت من اغتيال القيصر الروسي الكسندر الثاني في 18 مارس 1881.
تدعي هذه الحركة أن لِروسيا طريقاً خاصاً للانتقال إلى الاشتراكية بدون المرور بالرأسمالية، مستندين على واقع وجود الشكل المشاعي لتملك الارض.
بطبيعة الحال تعرض الماركسيون للمسألة الروسية إن صح التعبير منذ البداية (انظر خصوصاً بعض مقالات ورسائل انغلز). والماركسية الروسية هي أيضاً انتقدت أطروحات الشعبويين وأسلوب نضالهم منذ بليخانوف وصولا للينين. هذا الاخير، حُكِم على أخيه الاكبر المنتصب لجماعة نارودنايا فوليا بالاعدام. وعنوان المؤلف الذائع الصيت "ما العمل؟" هو نفسه عنوان رواية شهيرة للكاتب نيكولاي تشيرنيشيفسكي . ونيكولاي هذا هو أحد الملهمين الفكريين لحركة الشعبويين الروس.
كتب لينين مؤلفين ينتقد فيهما الشعبوية. "من هم أصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين؟" (مؤلف سِجالي كُتب سنة 1894) و"تطور الرأسمالية في روسيا" و هو المؤلف الأضخم من ناحية حجم الاستقصاء الميداني والدفاع عن نظرية ماركس.

إذن هما سياقين تاريخيين مختلفين. "الشعبوية" القديمة هي تيار سياسي قائم بذاته وله مفكروه ، وكان له صدى كبير في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية آنذاك في أوربا (انظر مثلا رواية الشياطين لدويستوفسكي وشخصية سوفارين في رواية جيرمينال لكاتبها زولا).
أما "الشعوبية" الحالية ما هي في تقديري إلا طبخة ليست باللذيذة إطلاقاً وتسبب عصر الهضم، ومصنوعة بطريقة خرقاء bricolé  كما يمكن أن يقولها الفرنسي. في نهاية المطاف لا يمكن الاستناد عليها في فهم الظواهر السياسية الجارية أمامنا.
ولكن تبقى الخلفية الأساسية من صناعة هكذا "مفهوم" هي الهجوم على كل تسول له نفسه انتقاد التدهور الغير مطرد للمستوى المعيشي للشعب، هي ممارسة الضغط والارهاب الفكري (بالنظر إلى حجم الترسانة الاعلامية المسخرة لهذا الهدف) على من يساءل كل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، بدعوى الواقعية والظرفية الاقتصادية والعقلانية (حسب فهمهم لها)... وهلم جر من  الشعارات...
ألم يحن الوقت لإخراج سلاح النقد تجاه هذا الهجوم الايديولوجي الكاسح ؟


هذه بعض الروابط

ويكيبديا بطبيعة الحال

Qu’est ce que le populisme ?

باحث مغربي يفكّك ميكانيزمات الخطاب الشعبوي .. بنكيران نموذجاً


لتحميل كتاب تطور الرأسمالية في روسيا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق