![]() |
الرجل الفيتروفي (ليوناردو دا فينشي) Homme de Vitruve
قيصر: حين أشرت إلى ماركسية سارتر لم أقصد استباق
المسائل التي سنتناولها في حوارنا. الآن أريد أن أطرح عليك سؤالاً مباشراً وفجاً
إلى حد ما. توافقني، على ما أعتقد، أنه بإمكاننا أن نوجز الإشارة إلى الثنائيات
المتعارضة التي هاجمتها بثنائية "الإنسان/الطبيعة" حيث يندرج تحت الشق
الأول منها مسائل مثل الذات، التاريخ، المجتمع، الوعي، الفعل، الفلسفة المثالية
الخ، أي كل ما ضمنته أنت في ما أسميته مجازاً "بروح الماركسية". كذلك،
يندرج تحت الشق الثاني منها مسائل مثل الموضوع، الواقع المادي، الانفعال، الفلسفة
المادية الخ، أي كل ما ضمنته أنت أيضاً في ما أسميته "بجسد الماركسية".
يتلخص سؤالي المباشر بالتالي: ما هو الإنسان في نظرك، إذن؟
عظم: سؤالك هام جداً، وبخاصة في هذا السياق وهو ليس بالفجاجة
التي تتصورها. لكن قبل إجابتي المباشرة، وغير الفجة على ما أرجو، اسمح لي أن أرجع
قليلاً إلى ما ذكرته أنت عن نقد ماركس لمادية فويورباخ في الأطروحات
الشهيرة. قراءة إنتاج بعض شُرَاح الأطروحات ممن ينتمون إلى مدرسة "الماركسية
بلا مادية" تجعل الواحد منا يظن وكأن نقد ماركس ل فويورباخ ما كان يهدف إلا
إلى إعادة الاعتبار الأونطولوجي إلى الثنائيات المتعارضة إيَاها (إنسان/طبيعة،
ذات/موضوع الخ) بغرض تأكيد دور "الذات" مجدّداً بصفتها فاعلية "روحية"
أو شبه روحية تتدخَل في الطبيعة وتُحولها من مواقعها المستقلة تماماً، كما تصنع
التاريخ وتُحول المجتمع من منطلقاتها المتعالية الخ. في الواقع، يتعامل هؤلاء
الشرَاح مع أطروحات ماركس النقدية وكأن القصد منها هو التأسيس الضمني لنوع معين من
الفلسفة الحيوية التي تُعيد الأولوية من جديد إلى أونطولوجيا الذات وأبستيمولوجيا
الذات ومنطق الذات أيضاً، على طريقة الكنطية الجديدة. في مواجهة قراءة هكذا متعسفة
للأطروحات علينا أن نذكر دوماً أن ماركس مرّ بمرحلة وقع فيها بقوة تحت تأثير مادية
فويورباخ وعدّ نفسه لفترة قصيرة فويورباخياً أصولياً مخلصاً ومتحمساً. تُعبر
الأطروحات، في رأيي، عن تمرد ماركس على هذه المرحلة وعن خروجه منها باتجاه فلسفي
أرقى سوف تبدأ صياغته الدقيقة والمتأنية في كتاب "الأيدولوجيا
الألمانية". بعبارة أدق تمردّ ماركس في الأطروحات على الأبستمولوجيا المنفعلة
المترتبة على مادية فويورباخ الساكنة والاستكانية حيث المعرفة ليست أكثر من تسجيل
لحركة الواقع الخارجي في الذهن البشري. وكأن من الطبيعي أن يُعبر ماركس عن هذا
التمرد بتأكيده أن الواقع، بخاصة الواقع الاجتماعي والتاريخي، لا يُعرفُ حقاً إلا استناداً إلى فعل البشر فيه
وعملهم التحويلي له، وهذا ما تعنيه الماركسية عادة "بالبراكسيس" بأبسط
معانيه وأكثرها أولية. أي أن الأولوية في المعرفة هي للفعل وليست للتأمل والتجريد
على أن يكون واضحاً أن المقصود بالفعل والعمل هنا صيرورات مادية حقيقية تتحرك
وتُحرك تتأثر وتُأثر، وليست مجرد تجليات روحية "للذات الفاعلة" أو
خيارات حرة قامت بها أو صنعتها تلك الذات. هنا يكمن الفارق بين فكرة البراكسيس
وفكرة "الفعل الاجتماعي" في التنظير السوسيولوجي غير الماركسي المعاصر.
يتمركز الفعل الاجتماعي عند تالكوت بارسونز مثلاً، كما في كتابه الشهير
"بنية الفعل الاجتماعي"، في الذات الفردية واختياراتها التي لا تقبل
الإرجاع إلى أي عنصر مُفسر آخر سابق عليها أو أكثر بدئية منها. في حين يتمركز
البراكسيس في الصيرورات التحويلية المستمرة والمتصلة التي يجد البشر أنفسهم
منغمسين فيها على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية الخ. كذلك يجب أن يكون
واضحاً أن ماركس بقوله هذا لم يستحدث جديداً أو يبتكر فكرة لم يسبقه إليها أحد.
كلنا يعرف الأهمية الحاسمة التي تحظى بها مسألة أسبقية الفعل على التأمل في ملحمة غوته
المعروفة. طرح فاوست الترجمة الحديثة للآية الأولى في إنجيل يوحنا على
النحو التالي: "في البدء كان الفعل" بدلاً من "في البدء كان
الكلمة". ونجد الفكرة ذاتها عند هيجل وإن كان بغلافها المثالي-الروحي
المعتاد. في القسم (ب) من "فينومينولوجيا الروح" الذي يحمل عنوان الوعي
"الوعي الذاتي" يؤكد هيجل أن فعل الإنسان في العالم بقصد تحويله بما
يتفق ويتلائم مع رغبات الانسان الفاعل هو مصدر اكتسابه للحد الأدنى من الوعي لذاته
كموجود متميز عن باقي العالم. أو بتعابير أكثر هيجيلية لا يكتسب "وعي الذات
موضوعيته" إلا عبر الفعل في العالم. أي لم تعد الذات مجرد فكر كما كانت عند
ديكارت (وهذا تقدم هام حققه تطور الفلسفة الحديثة)، بل أصبحت ذاتاً فاعلة قبل أن
تكون ذاتاً مفكرة فحسب، وإن بقى مستوى الفعل عند هيجل لا يتعدى عالم الروح. لذلك
أقول إن من يرى في قيام ماركس بإعادة الاعتبار للذات الفاعلة في مواجهة مادية
فويورباخ إلغاء للأولوية الأنطولوجية والزمنية والسببية للموضوع المادي على الذات
الفاعلة والواعية، أو إلغاء لأولوية المستوى الاقتصادي والاجتماعي على المستوى
الثقافي والأيديولوجي، أو إلغاء لأولوية المستوى البيولوجي على المستوى الاقتصادي
والاجتماعي، أو إلغاء لأولوية المستوى الفيزيقي على المستوى البيولوجي يكون قد حصل
على فلسفة مقلوبة، ولكنها ليست ماركسية كارل ماركس بالتأكيد. التشديد على هذه
الأولويات يبقى جزءاً لا يتجزأ من أية مادية مهما كانت أوصافها أساكنة كانت أم
تاريخية أن جدلية أم علمية فقط.
الآن سأحاول الإدلاء برأي حول سؤالك: ما هو الإنسان؟ في
إجابتي سوف أستوحي فكرة وردت عند ماركس "في الأيديولوجيا الألمانية" حيث
يقول في معرض تعليقه على مسألة تعريف الإنسان، باستطاعتنا تمييز الإنسان عن
الحيوان بواسطة الوعي أو الدين أو الفكر أو أي شيء آخر قد يخطر على البال لكن
الإنسان الفعلي ميز نفسه، حقاً وليس وهماً أو تعريفاً، عن الحيوان ابتداءاً
باللحظة التي شرع فيها بإنتاج وسائل بقائه وعيشه. بعبارة أخرى ليس أسهل عليَ من أن
أعرض عليك مجموعة من التعريفات التأملية أو الفلسفية الأبرورية للإنسان ابتداءاً
بالتعريف الكلاسيكي "الإنسان حيوان ناطق" وصولاً إلى لا – تعريف هايدجر القائل "الإنسان = الدزاين"، أو هو ما
لا يجوز أن نسأل عن تعريفه. أعتقد أن هذه الطريقة في الإجابة أثبتت عقمها ولا
جدواها لأنها لا يمكن أن تزيد الإنسان معرفة بنفسه بحكم صوريتها الساكنة ونزعتها
الأبرورية الخالصة. مثل هذه التعريفات لم تؤدّ في السابق، ولا يمكن أن تؤدي في
المستقبل ، إلى أكثر من جدل بيزنطي لا ينتهي حول أحقية كل واحد منها بالقياس إلى
التعريفات الأخرى. الطريقة المجدية التي ألمح إليها ماركس – وهو ليس وحده في ذلك
بطبيعة الحال – تتلخص في الرجوع إلى دراسة الوقائع الفعلية التي تميّز الإنسان
بواسطتها عن الحيوان، فأضحى، عبر عملية تطوريّة تاريخية مديدة، الإنسان الذي نعرفه
الآن. طبعاً توجد علوم متخصصة كثيرة تدرس هذه الوقائع وتبحث في العملية التطورية
المذكورة. في رأيي، لا يجوز ولا يحق لأي مفكر جادّ اليوم الإدلاء باجتهاد يريده
مدروساً وعلمياً إلى حدّ ما حول الإنسان دون الرجوع إلى بعض هذه العلوم واستشارة
ما حصلته من معارف وما وصلت إليه من نتائج، على أقل تعديل. بعبارة أخرى، هل يحق
لأي منّا، مع اقتراب نهاية القرن، تقديم أجوبة على السؤال المطروح تهمل المعارف
التي تراكمت لدى علوم متقدمة تتناول الإنسان بأصله وتطوره وتاريخه ومجتمعاته
ومؤسساته وحضاراته؟ هل يحق لأي منّا اقتراح أجوبة جميلة وتعريفات كيفية من
عندياتنا الفلسفية (الإنسان حيوان متدين، الإنسان حيوان خرافي، الإنسان حيوان
ضاحك، الإنسان حيوان صانع للأدوات، الإنسان حيوان لا ريش له ويمشي على قائمتين،
إلى آخر اللائحة)، مهملاً ما تقوله لنا علوم مثل: البيولوجيا التطورية،
المورفولوجيا، النيورولوجيا، فيزيولوجيا الدماغ، الانثروبولوجيا، السيكولوجيا،
السوسيولوجيا الخ الخ؟ في نظري لا يوجد جواب بسيط وسريع جامع مانع على السؤال: ما
هو الإنسان؟ الموجود هو جواب مركّب معقد متشعب بُني على خلاصات المعارف العلمية
المتراكمة و هو جواب خاضع باستمرار للتعديل والتدقيق والتقريب وإعادة النظر على
ضوء تطور المعرفة العلمية بالإنسان وغير الإنسان وتقدمها.
قيصر: حتى هنا موقفك متوازن ومعقول وعلمي أيضاً.
ولكني لم أستشف منه أي ملمح لجواب على السؤال. وكي لا يُفهم موقفك على أنه نوع من
التهرب المؤدلج علمياً من مواجهة السؤال لا بد من أن أطلب إليك شرحاً ما لطبيعة
القناعة الفلسفية التي كونتها عن مسألة الإنسان؟
العظم: قناعتي بسيطة ومبنية على بعض الحقائق
العلمية الأولية: الإنسان أعلى الرئيسات، خرج من صيرورة نشوء الحياة على سطح الأرض
وتطور أنواعها بقامة تميل إلى الانتصاب الكامل (Homo Erectus) وبدماغ حجمه كبير جداً وجهاز عصبي مركزي عالي
التعقيد قادر على توجيه اليد وضبط حركاته ضبطاً محكماً مما شكل تحوّلاً نوعياً
حقيقياً وجديداً، لم يسبق له مثيل، في تاريخ تطور الأنواع الحية. هذا التطور
العالي جداً للجملة العصبية، بالقياس إلى الأنواع الحية القريبة من الإنسان، رافقه
انحسار كامل لأنماط السلوك الغريزية المبرمجة وراثياً وبيولوجياً بصورة مسبقة لصالح
محركات جديدة مثل الحاجة والميل والنزوع والدافع ولصالح هيمنة آليات مثل التعلم
وإمكانية نقل ما تمّ تعلمه من جيل إلى جيل بطريقة مغايرة كلية لطريق النقل
الوراثي-البيولوجي المسيطرة سيطرة شبه كلية في باقي مملكة الحيوان. وبهذا المعنى الإنسان هو القرد العاري حقاً، أي
العاري من محددات السلوك المبرمجة بيولوجياً والغرائز الموروثة نوعاً والمحركات
الجاهزة فيزيولوجياً والتي تتمتع بها كلها باقي أجزاء مملكة الحيوان بصورة طبيعية
وآلية وإن كان بدرجات متفاوتة من الدقة والسيطرة والتوجيه. بالمقارنة مع باقي
أنواع المملكة التي ينتمي إليها يبدو الإنسان أكثر الحيوانات ضعفاً وعجزاً وأكثرها
حاجة لغيره وأعظمها اعتماداً على أفراد جنسه. في الواقع إنه الكائن الحي
"المحتاج" بامتياز. بهذا المعنى أيضاً الإنسان نقلة نوعية حقيقية وجديدة
في تاريخ نشوء الأنواع وتطورها، إنه في وقت واحد : من صنع الطبيعة وإنتاجها من جهة
أولى، ومنفصل عنها ومنقطع عن آلياتها المعروفة من جهة ثانية. بطبيعة الحال حملت
هذه النقلة النوعية خصائصها الفذة وقواها الكامنة الفريدة وطاقاتها وميولها
المتميزة في أسلوب تفتحها وأنماط تحققها التدريجي وتطورها الطبيعي والتاريخي
اللاحق. في الواقع دخل الإنسان عنصراً حاسماً وفاعلاً جديداً في عملية تطور الحياة
العضوية التي أنتجته أصلاً وفي تجديد شكل حاضرها ومستقبلها بحمله نمطاً جديداً من
التدخل السببي المؤثر في الطبيعة والحياة العضوية معاً. في رأيي هذه هي القاعدة
المادية البيولوجية لمقدرة الإنسان على التفاعل بطريقة جديدة تماماً مع بيئته
الطبيعية ومن ثم الاجتماعية. أي أنها القاعدة المادية –الحيوية لمقدرة الإنسان على
الفعل التحويلي الهادف في الطبيعة. إنها كذلك القاعدة المادية الأولى لنشوء كل ما
هو إنساني بامتياز ونموه وتطوره: الحياة الاجتماعية، التاريخ، الثقافة، الحضارة،
الأيديولوجيا، العلم، الوعي، وليس الوعي بمعنى وعي العالم وأشيائه فحسب، بل أيضاً
بمعنى وعي وجود هذا الوعي للعالم أو غيابه.
صقر: عفواً على المقاطعة. ألا ترى أنك ابتعدت كثيراً عن ما
ألمح إليه ماركس في الفكرة التي قلت أنك استلهمتها؟ أقول هذا لأن ماركس عالج مسألة
الإنسان من واقع عالم الاجتماع ومنظور التفسير العلمي للتاريخ وليس من مواقع
البيولوجيا كما تفعل أنت، على ما يبدو.
عظم: معروف أن ماركس استفاد إلى أقصى الحدود من أفضل معارف
عصره كما أسس ماركسيته على الاستيعاب النقدي لأرقى علوم زمانه. الشيء ذاته ينطبق
على إسهامات انجلز وعلى مواقف لينين فيما بعد، ولا لزوم لضرب المزيد
من الأمثلة. إذا تركنا جانبا ماركس الشاب وتناوله الهيجلي-النقدي لمسألة الإنسان،
لم يتبنّ ماركس تعريفاً تأملياً مسبقاً للإنسان باستثناء التعريف الأرسطي الذي
يسجل الواقعة المعروفة "الإنسان حيوان اجتماعي". عدا ذلك فإن ربط ماركس
المحكم بين المادية التاريخية واكتشافاته الاقتصادية-الاجتماعية ودراساته التاريخية
من ناحية وبين التطورات العلمية السريعة والثورية التي كانت جارية في القرن التاسع
عشر من ناحية ثانية، معروف جيداً. ماركس هو القائل أن كتاب داروين
"أصل الأنواع" يحتوي "الأساس الطبيعي – التاريخي لوجهة نظرنا"
أي وجهة نظر ماركس وانجلز في التصور المادي للتاريخ. وهو القائل، في واحدة من
المقدمات الكثيرة التي كتبها ل "رأس المال"، بأنه عالج تطور الاجتماع
البشري وكأنه صيرورة من صيرورات التطور الطبيعي. اهتمام ماركس الشديد والعميق
بكتاب الأمريكي مورجان "المجتمع العتيق"، وكتاب البريطاني تايلور
"بحوث في التاريخ المبكر للإنسانية" لا يحتاج إلى المزيد من التأكيد.
طبعاً مورجان وتايلور كانا من أبرز علماء السوسيولوجيا والانتروبولوجيا في القرن
التاسع عشر. ومنذ ما يزيد على العقد من السنين تمّ نشر ما دوّنه ماركس من نصوص
وملاحظات وتعليقات الخ على كتاب مورجان تحت عنوان "دفاتر ماركس الاثنولوجية".
معروف أن مورجان كان داروينياً متشدداً وما كان بإمكانه تحقيق الإنجاز العلمي
الكبير الذي أتمّه في علم الاجتماع والانثروبولوجيا لولا ثورة داروين المؤسسة
للبيولوجيا التطورية. لذلك شبّه انجلز أهمية كتاب "المجتمع العتيق"
بالنسبة للانثروبولوجيا بأهمية كتاب "أصل الأنواع" بالنسبة لعلم الأحياء. في الواقع ذهب انجلز إلى
حد القول بأن كتاب الدارويني مورجان تضمّن اكتشاف "التصورالمادي للتاريخ
" قبل أربعين عاماً على اكتشاف ماركس له، بخاصة أن مورجان كان عالم الاجتماع
والانثروبولوجيا الوحيد تقريباً في القرن التاسع عشر الذي اهتم بالأسباب الفاعلة
في انتقال جماعة بشرية ما من نظام اجتماعي معيّن إلى نظام اجتماعي مغاير، كما اهتم
بآليات هذا الانتقال بما في ذلك عوامل انحلال النظام القديم ونشوء النظام الجديد أو
صعوده. لا شك أن ماركس عالج مسألة الإنسان من مواقع عالم الاجتماع ومنظور التفسير
العلمي للتاريخ، كما تقول، لكن الواقع البيولوجي-الطبيعي الأول موجود في خلفية
تحليلاته وتساؤلاته وإجاباته كلها. الحقيقة هي أن ماركس في مرحلة نضجه لم يستخدم
كثيراً عبارة "الإنسان" واستعاض عنها بعبارات مثل "البشر"
و"الناس" لما في الأولى من تجريد وماهوية وما في الثانية من عينية
وتاريخية. على العموم، عندما يتكلم ماركس عن "الإنسان" يقصد عادة
الإنسان بعلاقته مع الطبيعة بصفته جزءاً منها من ناحية أولى، وبصفته مجابهاً لها
ومنفصلاً عنها نسبياً، من ناحية ثانية. أما عندما يتكلم عن "البشر" و
"الناس" كما في "الأيديولوجيا الألمانية" وما بعدها، فإنه
يقصد عادة الإنسان كما هو منهمك في إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الطبيعية
والاجتماعية والثقافية الخ – أي صنع التاريخ – في سياق اجتماعي محدّد ومرحلة
تاريخية معّينة. لذلك أقول أن مقدرة الإنسان على ممارسة النشاط الإنتاجي لسدّ
حاجاته الحيوية يحددها، في البداية الأولى على أقل تعديل، تكوينه الفيسيولوجي وليس
تكوينه الاجتماعي اللاحق. ويحضرني هنا وصف ماركس للإنسان في "رأس المال"
بأنه تلك القوة من قوى الطبيعة القادرة على مجابهة الطبيعة ومعارضتها وليس
الانسياق معها والانفعال بها فقط. من يحمل مادية ماركس على محمل الجد لا بدّ أن
يفهم تأكيد دور الذات البشرية الفاعلة في أطروحاته عن فويورباخ ضمن حدود هذا
الإطار أو ما يشبهه. بعبارة أخرى، إنسانية الإنسان ليست معطاة دفعة واحدة منذ
البداية وبصورة مسبقة، بل تتحقق تطورياً وتاريخياً واجتماعياً انطلاقاً من القاعدة
البيولوجية-الطبيعية التي ذكرتها والتي تشكل موضوع دراسة لعلوم كثيرة ومتنوعة.
صيرورة التحقق هذه وتفتح إمكاناتها المضمرة هي التي تسمح بتجاوز الإنسان البيولوجي
إلى الإنسان التاريخي، وبتجاوز القطيع إلى المجتمع، والتلقط إلى الانتاج، والطبيعة
إلى الحضارة، والموضوع المنفعل إلى الذات الفاعلة والعارفة والناطقة والواعية الخ.
من هنا استنتاج ماركس بأن من يصادر مقدرة إنسان ما على الفعل الانتاجي أو يسلبه من
ثمارها يكون كمن صادر إنسانيته وسلبه ذاته وروحه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق