بمناسبة رحيل المفكر الماركسي الفرنسي لوسيان سيف Lucien Sève ارتأيت مشاركة القارئ العربي هذا النص الشهير
لكارل ماركس... وهو النص التاسع من سلسلة نصوص اختارها وقدمها وترجمها الفقيد
لوسيان سيف تحت عنوان "الكتابات الفلسفية". وهو مقتطف من مقدمة نقد
فلسفة الحق السياسي الهيغيلي.
أخذت الترجمة العربية لنص ماركس من صيغة اليكترونية، أما
ملاحظة كانط في كتابه "الدين في حدود مجرد العقل" فأخذتها من ترجمة فتحي
المسكيني.
فيما يتعلق بألمانيا، لقد انتهى، من حيث الأساس، نقد
الدين، ونقد الدين هو الشرط الممهد لكل نقد.
لقد غدا الوجود الدنيوي للخطأ واهياً، بمجرد ما تكون
ذريعة دفاعه السماوي (بالنيابة) مدحوضة. فالانسان الذي لا يجد في واقع السماء
التخيلي، حيث كان يبحث عن الانسان الأعلى (السوبيرمان) سوى انعكاسا لذاته، لن
يكتفي فيما بعد الا يعثر على ظاهر ذاته، على اللا انسان، حيث يبحث، وعليه
بالضرورة، أن يبحث، عن واقعه الحقيقي.
إن أساس النقد اللاديني: أن الانسان هو الذي يصنع الدين،
وليس الدين هو الذي يصنع الانسان. إن الدين، في الواقع، هو وعي الذات وتقدير الذات
لدى الانسان الذي لم يعثر بعد على ذاته، أو أضاعها من جديد. لكن الانسان ليس
كائناً مجرداً جاثماً في مكان ما خارج العالم. الانسان هو عالم الانسان، الدولة، المجتمع.
وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، الوعي المقلوب للعالم، لأنهما بالذات عالم
مقلوب. الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، خلاصته الموسوعية، منطقه في صيغته
الشعبية. مناط شرفه الروحي، حماسته، جزاؤه الأخلاقي، تكملته المهيبة، أساس عزائه
وتبريره الشامل. إنه التحقيق الخيالي لكينونة الانسان لأن ليس لكينونة الانسان واقعاً
حقيقياً. إذن فالنضال ضد الدين هو بصورة غير مباشرة، نضال ضد ذاك العالم الذي يشكل
الدين عبيره الروحي.
إن الشقاء الديني هو تعبير عن الشقاء الواقعي، وهو من جهة
أخرى، احتجاج عليه. الدين زفير المخلوق المقموع، قلب عالم لا قلب له، كما أنه روح
شروط اجتماعية لا روح فيها. إنه أفيون الشعوب * .
إن تجاوز Aufhebung الدين،
بصفته سعادة وهمية للشعوب، يعني المطالبة بسعادتها الفعلية، ومطالبة الشعوب
بالتخلي عن الأوهام حول وضعها، يعني مطالبتها بالتخلي عن وضع في حاجة إلى أوهام.
فنقد الدين هو، إذن نقد (مصدر) Keim وادي الدموع الذي يؤلف الدين هالة له.
لقد نزع
النقد عن الأصفاد الزهور الوهمية التي كانت تغطيها، لا لكي يحمل الانسان أصفادا غير
مزخرفة، مؤسة، بل ليتخلى عن الأصفاد ويقطف الزهرة الحية. إن نقد الدين يحطم أوهام
الإنسان، حتى يفكر، ينشط، يصنع واقعه بصفته إنساناً تخلص من الأوهام وبلغ سن
الرشد، لكي يدور حول نفسه، أي حول شمسه الحقيقية. فالدين ليس سوى الشمس الوهمية
التي تدور حول الانسان ما دام الانسان لا يدور حول نفسه.
إن مهمة
التاريخ، إذن، بعد زوال عالم ما وراء الحقيقة، أن يقيم حقيقة هذا العالم. المهمة
المباشرة للفلسفة، التي تخدم التاريخ، بعد أن يجري فضح الشكل المقدس للاستلاب
الذاتي للانسان، هي نزع القناع عن الاستلاب الذاتي في أشكاله الغير المقدسة. وبذلك
يتحول نقد السماء إلى نقد الأرض، نقد الدين إلى نقد الحقوق ونقد اللاهوت إلى نقد
السياسة.
* هذه
الصيغة الشهيرة، التي تُقرأ، بدون الأخذ بعين العتبار الجملة التي سبقتها، كحمولة عنيفة
مناهضة للدين، يجب بالأحرى وضعها في علاقة مع ملاحظة في كتاب كانط "الدين في حدود مجرد العقل"، التي يشير إليها بشكل ضمني "إن قصد
الذين يطلبون حضور القساوسة عند نهاية الحياة هو أمر معهود: إنهم يريدون أن يحصلوا
منه على نحو من العزاء؛ وليس ذلك بسبب العذابات الفيزيائية التي يحملها المرض
الأخير معه، من قبيل الخوف الطبيعي أمام الموت (إذ إن الموت نفسه الذي ينهي الحياة
يمكن أن يكون ضرباً من العزاء والمواساة)، بل بسبب العذابات الخلقيّة ، نعني
تأنيبات الضمير. إلا أنه هاهنا إنما يجب على الأرجح أن يُستفزّ هذا الضمير وأن
يُشحذ شحذاً، وذلك حتى لا يغفل المرء عن القيام بما تبقى من خير أو عن إزالة شرّ
ما (واستدراكه) في سائر نتائجه الباقية، بحسب التنبيه القائل: "كن صاحب مروءة
مع خصمك (مع من له دعوى مشروعة ضدك)، وذلك طالما لا تزال موجودً معه على الطريق (أي
طالما لا تزال على قيد الحياة) حتى لا يسلمك إلى الحاكم (بعد الموت)، الخ." أما
أن نعمل بدلاً عن ذلك إلى إعطاء الأفيون (Opium) إلى
الضمير، فهو ذنب في حق نفسه والذين يعيشون من بعده؛ إذ هو أمر بعين الضدّ من
الغاية النهائية، التي يمكن من أجلها أن يؤخذ ذلك النحو من عون الضمير بوصفه شيئاً
يُحتاج إليه عند نهاية الحياة."



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق