أونطونيو نيغري
مجلة حشود، تصدرها جمعية حشود
عدد 32.2008
تقديم
نقدم لكم هذا النص مترجماً آملين أن يغني النقاش في صفوف
المثقفين الديمقراطيين-التقدميين وبارتباط أيضاً بالحركة الجماهيرية، ومن
بينها حركة المعطلين حيث تُطرح مسألة النضال ضد سياسة النظام في مجال التشغيل ومن
أجل العيش الكريم. هذا لن يتحقق إلا بتوفير حق الشغل للجميع والتعويض عن البطالة
بالحد الأدنى للأجور.
قد لا نتفق مع كل جاء به توني نيغري من أطروحات جديدة
تحاول التعبير نظرياً عن التطورات الأخيرة للرأسمالية وما يتبع ذلك من آثار سياسية
حول الطريق الذي يجب أن نسلكه من أجل التحرر، لكننا لا يجب أن نخشى الصراع
الايدولوجي الايجابي بما يخدم تطور النضال من أجل غد أفضل.
الروابط والصور من وضع المدون.
كلنا يعرف ما هو الريع، أو على
الأقل المستفيد من الريع. كل واحد منا قد حدّق مرةً واحدة في حياته
في بياض عيون مالك الشقة التي يكتريها. من الممكن أن نحسد أو نكره هذا الرجل ــ في
جميع الحالات يجب اعتباره كشخص يربح المال
من دون أن يعمل. نسمي "النظام القديم" الحقبة حيث كانت قوانين الريع ذات
صبغة مطلقة. كان الرجعيون أمثال بورك Burke أو هيغل Hegel يعتبرون هذه القوانين
بمثابة قوانين طبيعية وكانوا يثنون عليها؛ على العكس، كان الثوريون تلامذة روسو
وإصلاحيو الأنوار ومؤسسو حقوق الإنسان ينظرون إلى هذه القوانين باشمئزاز. كان
الليبراليون الانجليز والفلاسفة الكانتيون يعتقدون أن الحرية لا يمكن أن تتأسس ولا
تتطور انطلاقاً من استغلال ثروة مصدرها الإرث، وأن ثروة "مستحقة" يجب أن
تأسس على العمل. بينما منظرو "ثروة الأمم"، مخترعو الاقتصاد السياسي
فضبابيتهم قد أرخت بثقلها على هذا التاريخ: من جهة، بالفعل يؤكدون أن الثروة
الرأسمالية يجب أن تتأسس ضد الريع (وفي التماثل مع هذا الطريق تكمن
بالضبط حقيقة العلم الاقتصادي)؛ من جهة أخرى، لم يكن يكتمون (بالرغم من أنهم كانوا
يخفون ذلك عن قراءهم) أن التطور الرأسمالي لم يكن ليوجد أو الإقلاع بمثل هذه القوة
إذا لم يكن قد فعل ذلك انطلاقاً من تملّك أصلي وعنيف. ذلك ما حصل بالفعل تاريخياً:
تملّك المشترك [أي] الأراضي والعمل في حقبة تسييج الأملاك.
إذن هذا هو الريع المطلق: تراكم أصلي عنيف ولكنه ضروري
ــ غير أنه يجب إخفاءه لأنه كان مقززاً: كان عُبودياً ومنحرفاً وقاسياً في طرقه[i]
... بطبيعة الحال، وحسب الآباء المؤسسين للاقتصاد السياسي، أكيد أن الريع المطلق
المرتبط باحتكار الملكية الخاصة للأرض يستمر من داخل السيرورات العادية واليومية
للانتفاع من الريع لكن بطريقة تابعة بشكل كلي للأشكال الأخرى لإنتاج الثروة (بشكل عام هذا ما
يقوله الاقتصاديون ــ لأنه بدون شك يؤملون ذلك، لكن أيضاً لأنهم كانوا يعانون من
الضبابية).
الاقتصادية الأخرى، أي الحول دون كل حالات الاحتكار
واستغلال النفوذ. في الواقع، لم يصبح الريع حقيقةً مهماً إلا عندما بدأ يمثل
العائد المستخدم في التنافس بين الرأسماليين: ربح فائض انتقالي مرتبط بمقدرة هذا
المقاول أو ذاك على التحديث و/أو الاستحواذ على الفرص الأكثر مردودية في السوق.
هكذا بالنسبة [لآدم] سميث آثر التنافس هو
إلغاء كل الريع في القطاعات
![]() |
| آدم سميث 1723 - 1790 مؤلف ثروة الأمم |
أما بالنسبة للريع النسبي أو
"التفاضلي" فقد أصبح أحد أشكال ظهور القيمة المضافة المُنتجة بواسطة
العمل، التي تبرز انطلاقاً من الفرق بين انتاجية الأراضي المُستغَلّة بالنسبة
للأراضي الغير المستغَلّة. مثلا ذهب ريكاردو إلى حدّ نكران وجود الريع المطلق
بالتركيز فقط على دينامية الريع التفاضلي. حاول الاقتصادي من خلال "الريع
التفاضلي" الوقوف إلى جانب الإصلاحيين وإيجاد بعض المصداقية لدلائلهم. في الواقع،
وفي ما وراء مجرد التطور الرأسمالي، كان يريد بنفس القدر ــ وبدون مواربة كبيرة ــ
أن يشرعن عنف التملك الأصلي، تملك التراكم البدائي.
في نصف الطريق بين مؤسسي الاقتصاد السياسي واليوم، منذ
قرابة القرن، عندما كان يهاجم كينز الريع بالدعوة بمتمنياته "بالقتل الرحيم
للمستفيد من الريع"، من كان يعتقد أن بداية القرن الواحد وعشرين سيصبح من
جديد (مرة أخرى من جديد) مميزاً بالنقاش حول الريع والآثار السياسية
لتمركزه؟ أو بالإشادة الإيديولوجية والرجعية لأحزن انحرافاته؟
عندما ندرس السلطة التأسيسية والديمقراطية الفاعلة في سيرورات
بناء النظام القانوني الحديث، لا يمكن أن لا نلحظ أن هذا الأخير يلامس دائماً (بل
أفضل: إنه يحيط دائماً) علاقات الملكية التي تطبع النظام الرأسمالي من وجهة نظر
نقدية وكان يهاجم علاقات الملكية المؤسسة قبلاً préconstitués؛
ومن وجهة نظر الإصلاحات و/أو الثورة التي تجعله من الممكنات، فإنه يعبر عن الرغبة
في أنواع جديدة من الأنظمة الاجتماعية للملكية. بالنظر إلى شدة هدف السلطة
التأسيسية هذا، فلا دهشة أن العلم القانوني البرجوازي قد حاول طوال [مرحلة]
الحداثة أن يعزلها [أي السلطة التأسيسية] عن مفهومها، وأن ينزعها عن مادية
العلاقات الاجتماعية التي تولد داخلها ــ علاقات اجتماعية كانت في أول الأمر
علاقات ملكية، لكن صارت علاقات التملك الرأسمالي بشكل عام. كانت السلطة التأسيسية
تنتهي حيث يبدأ القانون. كان
تيرميدور Thermidor يمثل اللحظة حيث تتحقق السلطة التأسيسية حتى
يستطيعوا بشكل مفارق أن ينفونه، والقضاء عليه مباشرة بعد ذلك.
![]() |
روبسبيير أحد قادة الثورة الفرنسية
وقد تمالانقلاب عليه هو وأنصاره في
شهر تيرميدور من من العام الثاني حسب
تقويم الجمهورية الفرنسية آنذاك يوليوز 1794
|
بالرغم من ذلك، يعلم العلم الدستوري [أو التأسيسي] أيضاً
أن هذا التحييد كان بدون جدوى. بالرغم من أنه من الممكن عزل السلطة التأسيسية
شكلياً، كان السياسيون والتشريعيون مجبرين آنياً على اعتبار تحليل "الدستور
المادي" (أي دراسة العلاقات الاجتماعية في تعقدها وتناقضاتها المحتملة، التي
تشكل قاعدة "الدستور الشكلي" أو الشرعي) كأساس لعلمهم الخاص. إنها حالة
غريبة تظهر لنا هنا. تشكل علاقات الملكية المشكل الذي انطلاقا منه تتحدد تمردات
السلطة التأسيسية. على العكس، تعتبر السلطة المُؤسسة pouvoir constitué علاقات الملكية مقدسة وثابتة. أكيد أنه لا يمكن إعادة
إطلاق السلطة التأسيسية، في الشكلانية المنافقة للاجتهاد القانوني المعاصر، إلا
"كسلطة استثنائية"، أي بدون أي مضمون لا يكون مرتبطاً بشكل مباشر بحدة
القرار. مع ذلك، في كل مرة تحظر السلطة التأسيسية في شكلها المادي
وتُعَاود طرح موضوع الملكية، فإنها على العكس تتبنى زمن التأسيس، تقترح نفسها
كعنصر التحديث القانوني والتحرر الاجتماعي، وتفتح امكانية المؤسسات الديمقراطية.
في هذه اللحظة تستطدم السلطة التأسيسية"بالريع
المطلق"[ii]، و تُبنى ــ باعتبارها وظيفة ديمقراطية ــ في
الزمن الطويل للتأسيس المادي، وتناضل من داخل الأشكال القانونية "للريع التفاضلي".
اليوم، لا تقف الديمقراطية فقط أمام (و ضد) الريع
المطلق، ريع الأراضي (ريع العقارات والأملاك الغير منقولة): يجب عليها أن تواجه
الريع المالي خصوصاً، أي الرأسمال الذي يحرك المال بطريقة شاملة كأداة أساسية لحكم
الحشود . التمويلية financiarisation هو الشكل الحالي للسيطرة الرأسمالية. بطبيعة
الحال، هذه الأخيرة لازالت مرتبطة بالريع وتعيد قَصْديتها العنيفة ــ كما تُعيد
ضبابيات وتناقضات أية صورة من صور الاستغلال الرأسمالي. من الغباء الاعتقاد أن
الرأسمال المالي لا يمثل هو نفسه لحظة تناحرية، لأنه يحتوي دائماً بداخله على هذا
العنصر الضروري ألا وهو قوة العمل، التي تشكل منتجاً للرأسمال وتهديداً له في نفس
الآن.
يتحدد الشكل ــ الذي عبره يشمل الرأسمال المالي
التناحرــ ببرامترات [متغيرات] جد خاصة: تجريد قوي بالنسبة لنوعية العمل الجسدي؛
تأسيس لعالم رأسمالي مُقَنّع و/أو حاجات فاسدة؛ مجتمع استغلال وحشي (استغلال
المشترك: لأنه عندما تصبح قوة العمل هي الحشود multitude ويصير
العمل تعاوني ومعرفي، لم يعد الرأسمال يستغل العامل، بل يسلبُ المشترك الذي ينتجه
هذا العامل نفسه. إذن يظهر الريع المالي كاستغلال للمشترك.
![]() |
| الامبراطورية Empire من تأليف توني نيغري وميكاييل هارت الحشود هي القوة الانتاجية الحقيقية لعالمنا الاجتماعي |
استنتاج: ريع مطلق أو ريع تفاضلي؟ ريع مؤسس
على فعل تملك جذري، أو على العكس على فعل سلبٍ واستغلال شامِلَيْن، أي مربوط
بمجموع القيمة المُنتجة، [أي] بتقييم المشترك؟ سيرد اقتصادي معاصر ما بعد صناعي
بدون شك وبدون تردد بتذكيرنا بأسطورة المقاول الشومبيتري [نسبةً إلى جوزيف شمبترJoseph Schumpter ]، وبالتأكيد على أن
الدينامية الرأسمالية وقوة تدميرها الخلاق تنشأ من المقاول المدفوع بالبحث عن
الربح الزائد لشغل موقع احتكار انتقالي ــ والريع الذي ينتج عن ذلك. وأخيراً: لا
ريع بدون ابتكار. ليكن إذن.
نعرف أن الاختراع يكون جماعيا وأن الريع
وحقوق الملكية الفكرية لا تعمل إلا كعائق انتقال وإنتاج المعارف ــ وبالتالي
دينامية الابتكار نفسها. نعرف أيضاً أن هدف الرأسمال ليس هو الوصول إلى ريع
انتقالي مرتبط بالابتكار ولكن إلى ريع دائم مُؤسس على سلب قوة الإبداع والاختراع
الجماعيين. هكذا إذن تتلاشى الحدود بين
الريع والربح والابتكارات الحقيقية
الوحيدة تُنْتجُ داخل ميدان حقوق الملكية الفكرية وميدان التمويل حتى تُقوي سلطة
الريع وقوة الاستئثار بالثروة...
والحال، عندما يتمثل الربح هو نفسه كريع (بما
أنه في السوق الشامل، يتواجد متجسداً تحت هذا الشكل) فإن نضالات الحشود ستجتاز
وتحدد آنياً الريع المالي والتدفقات المالية، أي "عالم الريع". وبالرغم
من ذلك، عندما يتقدم أمامنا الريع التفاضلي، فإنه الريع بنفسه يظهر لنا من الآن
فصاعداً بوجه آخر. إنه يقف بالفعل في مواجهة المشترك ــ لأنه يبرز بالضبط من
داخل المشترك، في تعميم الاستغلال. هناك بلدان (كالصين مثلا) حيث تكون هذه
السيرورات "صافيةً" إلى حد بعيد حتى أن العلاقات الاجتماعية بين التمركز
السياسي للقيادة من جهة، ومستوى الرعاية Welfare، والأجر الاجتماعي
وتوزيع الثروة بشكل عام؛ من جهة أخرى تمتثل فوراً كعلاقات صراع: حتى الأجر قد
اكتسب الخاصية العامة للريع المالي. من ناحية أخرى عندما نتتبع ما يحدث في بلدان
حيث الارتباط المعقد بين الريع والربح يكون "غير صافي"، كالولايات
المتحدة واوروبا (أو كذلك في بلدان العالم الثالث السابقة حيث لازالت توجد
"أوليغارشيات" الريع)، تجب الملاحظة هناك أيضاً إلى أيّ حد الصراع من
أجل إعادة تملك الريع يكون حاداً في تشكيل علاقات إعادة انتاج المجتمع.
والحال وقد ابتلع الريع ــ أو على الأقل أدمج
ــ ديناميات الربح، هل هناك إمكانية في هذا السياق تحديد نضال من أجل "أجر
تفاضلي"؟ هل هناك إمكانية وصف إجراءات نضالية حول الدخل من داخل الريع؟ وما
هو "أجر الريع"؟ قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة يجب إعادة إدخال الذات
الفاعلة sujet
d’action: من اللحظة التي يضلل فيها الريع مشترك الانتاج
الاجتماعي، بين أية ذوات يُبنى الصراع؟ لقد قلنا للتوّ عن الذات: قوة تناحرية antagoniste وتعددية multitudinaire التي لها القدرة على
تحطيم صلابة السلطةـالبيولوجية التي تمارسها باسم الريع المطلق.
وهكذا مرةً أخرى، كيف يمكن لذات كهذه أن
تُبنى؟ لا يمكن أن نتصور ذلك بدون شك إلا إذا انخرطنا في مجال نضالات مُؤسس ومهيكل
وموجه بالريع التفاضلي. الضرورة الأولي هي بالضبط بناء ذات انطلاقاً من النضالات
وبداخلها. الريع المطلق يصبح تفاضلي عندما يخضع لديمقراطية النضالات. يجب
خوض نضالات قابلة لأن تقود إلى بناء هذه الذات. توحيد المهمشين والمقصيين، إعادة
تركيب العمل المادي والعمل الذهني، ــ الأول عبر تعقد مفاصله التي تقوم بأدوار في
المعمل والميتروبول [الحاضرة]، والثاني في الشساعة الحالية لشبكته (من مراكز
النداء إلى الجامعات، من الخدمات الصناعية إلى خدمات التواصل، من مراكز البحث إلى
الخدمات الاجتماعية، والصحية والتربوية...). ذلك ما تشكله هذه الحشود القادرة اليوم على أن تمثل الذات السياسية التي
تستطيع الدخول بنشاط في حقل الريع الخاضع التمويل، وإطلاق نضال على الدخل بنفس القوة
التي كان عليها في الماضي، عندما كانت تخوض النضالات من أجل الأجرة مع العمال في
المصانع الفوردية [نسبة إلى فوردHenry Ford]. على هذا المستوى
يكون "أجر الريع" ممكناً.
لكن لنكن حذرين. لا يتعلق الأمر في الاعتقاد
أن الكميات الأجرية المنتزعة من الريع (أولا المطلق ثم التفاضلي) تستطيع تحديد
بطريقة أو أخرى أزمة السيطرة الرأسمالية. إن النضالات حول الدخل (وبشكل دقيق:
النضالات من أجل "دخل مُواطن") هي قبل كل شيء الوسيلة لبناء ذات سياسية،
أي قوةٍ سياسية. وسيلة بدون هدف؟ نعم بدون شك، لأن غايتها ليست ــ ليس باستطاعتها
أن تكون بعد ــ هي الاستحواذ على السلطة؛ وليس بمقدورها أن تكون تحويل دائم
لميكانزمات إعادة المجتمع الرأسمالي: في هذا النوع من النضالات، لا يمكن إلا أن
نبني قوة واقعية معترف بها تعرف التحرك بشكل فعال على أرضية الدخل. انطلاقاً من
هذا المنعطف، من هذا الاستعمال التأسيسي للنضال ــ من أجل تحديد والاعتراف بذات
سياسية ــ سيكون بالتالي من الممكن أن نتصور أن لا يُختزل النضال في التفاوض حول
أجر المواطنة، ولكن على العكس طلب إعادة تملك المشترك وتدبيره الديمقراطي.
لا يوجد نضال طبقي بدون مكان حيث يستطيع هذا
الأخير الانخراط. اليوم هذا المكان هو المجال الحضري territoire métropolitain. في ما مضى كان ذلك
المكان هو المعمل؛ في أيامنا لازال ذلك المكان هو المعمل جزئياً بدون شك ــ لكن
قول "المعمل" يعني من الآن فصاعداً شيئاً آخر. المعمل اليوم هو
الميتروبول مع علاقاته المنتجة وفوروعه المنتجة ومواقع الانتاج المباشر والغير
مباشر وتدفقات دورة/تواصل، ومحاور المواصلات ومختلف أشكال العمل...
الميتروبول: معمل جد عصري إلى أقصى حدّ. فقط
المكانة الغالبة للعمل المعرفي في سيرورات التثمين هي التي جعلته ممكناً؛ وبالرغم
من ذلك هو معمل جد قديم حيث المهاجرون والنساء، المستضعفون والشباب، ضعاف التأهيل
والمُؤهلون إلى أقصى حد، "المضمونون" القدماء والمقصيون الجدد هم كلهم
يشتغلون كعبيد ــ لأن الاستغلال يضم منذ الآن كل مظاهر الحياة. الميتروبول: معمل
ما قبل صناعي يستغل اختلافات الأوضاع status والثقافة بِبَسْط
سلسلة من طرق الاستغلال والتي تجعل من اختلافات الجنس والعرق اختلافات طبقية؛ ورغم
ذلك فهو معمل ما بعد صناعي حيث هاته الاختلافات تشكل مشترك الشبكة الميتروبولية،
اختلاط الأجناس الخلاق المستمر، وتقاطع الثقافات والمعيش.
يمكن لهذا المشترك في الميتروبول أن يُسْتجلى
ويُلْقى عليه الضوء. الريع يُغطي ويُخفي هذا المشترك: يبنيه انطلاقاً من أعلى
الطوابق في ناطحات السحاب، ويُهْيمن عليه في أسواق المساهمين، يكشفه لأولئك الذين
يخبئونه عن منتجيه الحقيقيين. على العكس يمكن لديمقراطية مطلقة من أجل الشفافية،
من أجل الغلاسنوست glasnost، أن تنير لنا طريق تحرر المشترك،
لأن الأمر يتعلق بتدفقات الريع ــ من الريع العقاري (عبر التمفصلات المالية
للربح) حتى ريع حقوق النشر وانتاجات الإعلاميات.
النضالات التي أشرنا إليها للتوّ بين قوسين،
هذا ال"عبر" الذي نؤكد عليه يشكل اليوم قلب الرأسمال. يمكن ــ ويجب ــ
على الديمقراطية أن تحطم الريع المطلق حتى تصبو القوة والحدة الضروريتين لتطوير
نضالات ضد الريع التفاضلي. بعد ما كانت تمثل الوجه الأصلي والعنيف لتوسع الرأسمال،
فقد أصبح الريع المطلق وجه الاستغلال الرأسمالي الذي يعيش أعلى مستويات تطوره: إنه
وجه استغلال المشترك. أن نضع في تناقض العلاقة بين القيادة والمشترك ــ حتى يتفجر
هذا التناقض ــ هذا هو الطريق الذي يجب أن نَسْلك. بقولنا بأنه لا يوجد أي
ديالكتيك قادر على حل هذا المشكل، وأنه فقط الديمقراطية قادرة على حل هذا المشكل
اليوم، شريطة أن تصبح ديمقراطية مطلقة، أي أن يعمل بداخلها [مبدأ الاعتراف أن كل
واحد منا هو ضروري للآخرين لأنه متساوي في وعبر وبفضل المشترك.
ترجمته عن الإيطالية جوديث ريفيل
ترجمه
عن الفرنسية المدون
[i] نحن نشير هنا ضمنياً إلى اقتراحات تأميم الأرض
ــ في لحظات مختلفة ــ من طرف بعض قطاعات البرجوازية نفسها. بالنسبة لماركس كان
ممكنا لهذه الاقتراحات أن تسمح بالقضاء على الريع المطلق وأن تجعل التطور
الرأسمالي أكثر دينامكيةً ــ بالرغم من أنه كان يؤكد أيضاً أنه من المستبعد جداً
أن مثل هذا الإصلاح سيتم تبنيه بسبب الخطر الذي سيهدد كل أشكال الملكية.
[ii] " تفترض الملكية العقارية أن لبعض الأشخاص
حق احتكار أجزاء محددة من الأرض التي يمكن لهم حق التصرف بها حسب إرادتهم الخاصة
الحصرية، خارج أي شخص آخر". (كارل ماركس، الرأسمال، الكتاب الثالث).




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق