![]() |
| كاريكاتور من موقع the moscow times |
مع الضربات
الروسية الجوية في سوريا، ابتعدنا أكثر عن ما يسمى "الربيع العربي"،
فهجرت شعاراته الصفحات الأولى للجرائد وغابت نقاشات الاعتصامات وشعارات الغد
الجميل الذي كنا نحلم به. كل ذلك توارى إلى الوراء ليحل محله عناوين الحرب وأسماء آخر الأسلحة المبتكرة وتحاليل
"المحللين الاستراتيجيين" ــ عسكريين متقاعدين ــ "للعبة
الأمم".
هل يجب أن نأمل
خيراً من ضربات الميغ لمواقع الأمراء الظلاميين، أمراء الحرب الذي يذكروننا أن
هناك خياراً آخر، خيار البربرية في صيغتها الاسلامية السنية؟ أم ننتظر نفس النتيجة
بعد ضربات الناتو ضد طالبان وغزوها لأفغانستان بعد العمليات الارهابية ل 11 سبتمبر
2011، أي المزيد من الإرهاب الظلامي وولادة نسخ جديدة لمسخ القاعدة؟
في اعتقادي أن
الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن يكون إلا بالنفي. لا. المواجهة العسكرية الغير
المباشرة بين الروس والامبريالية الأمريكية وحلفائها لن تفضي إلى شيء جديد، لن
تفضي إلا إلى تأبيد الوضع القائم أو طبعة جديدة لاتفاق سايس بيكو.
نعم، بدأت لوحة
التوازنات الجديدة ترتسم. المواجهة على الأرض السورية هي أحد العوامل التي ستحدد
التوازن القادم، بالإضافة إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية (مواجهات دونيتسك، الحرب
الاقتصادية...).
الصراع بين
الامبرياليات أو المشاريع الامبريالية لا يخلق شيئاً جديداً. إنه تناقض بين طرفين
من نفس الطبيعة. تناقض ثانوي في سيرورة الصراع الطبقي على المستوى العالمي. قد
ينحو إلى أن يصبح تناقضاً تناحرياً، لكنه لا يغير من الوضع العالمي بما هو وضع
الهيمنة الرأسمالية وتراجع القوى المناهضة لها.
التفاوت في التطور
من امبريالية لأخرى هو المحرك لهذه الصراعات.
امبريالية صاعدة
كالصين مثلا أو امبريالية تريد استرجاع نفوذ فقدته لصالح امبرياليات أخرى كروسيا
الاتحادية، الاشتراكية الامبريالية سابقاً (الاشتراكية قولاً والامبريالية فعلا
على حد وصف الصينيين ابان الصراع الصيني السوفياتي سنوات الخمسينات والستينات من
القرن الماضي). وكل من يدور في فلك هاتين القوتين أي الدول الأخرى المشكلة للبريكس
BRICS ، هذا من جهة.
من جهة أخرى، لم
تستطع الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى على مستوى
البسيطة، أن تفرض سيطرة مطلقة على المناطق التي غزتها (العراق وأفغانستان). أصبح
الوضع في هذه المناطق هو اللاستقرار الدائم. اليابان وألمانيا لازالتا مكبلتين
عسكرياً باتفاقات ما بعد الحرب العالمية الثانية. بريطانيا وفرنسا أصبحتا تُنعتان
بالعواجز الفاقدين للمبادرة...
هاذين القطبين، إن
صح القول، قطبين لازالا يتشكلان تحت أنظارنا، والحدود بينهما غير مستقرة،
والاتفاقات غير نهائية، هاذين القطبين هما من نفس الطبيعة. يتبعان في الجوهر نفس
السياسة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي: الاستغلال المفرط للطبقة العاملة
(التسريحات، الاجهاز على المكتسبات الاجتماعية، زرع التفرقة في صفوف الطبقة
العاملة بسبب المنافسة...)، نهب الثروات الطبيعية للدول المضطهدة أو الدول التبعية
وحماية الأنظمة العميلة القائمة بهذه الدول، التخريب الغير المسبوق للبيئة.
إذا كان العدو رقم
1 للشعوب هي أمريكا فهناك أرقام أخرى تليها في الترتيب وتطمح إلى الاطاحة بمحتل
المركز الأول.
في ظل تراجع ما
كان يسمى "حركات التحرر الوطني" وهزيمة البديل التاريخي للرأسمالية في
كل من روسيا والصين، أصبح يظهر على الأقل عند البعض أن الانعتاق والفرج سيأتي
بتدخل خارجي.
و "حزب البعث العربي الاشتراكي" من كل ذلك؟ ألا يمكن أن نفترض أن المسيطر على جهاز الدولة في سوريا والمحتكر لأدوات العنف هو أمير حرب آخر ليس إلا؟ هل يشكل هذا الحزب الحاكم في
سوريا قوة ممانعة في مواجهة مشروع الامبريالية في المنطقة (مع تسجيل الغموض في
معنى كلمة ممانعة في هذا السياق)؟
أحد الخلاصات
الرئيسية التي على أساسها خرج اليسار الجديد في بلادنا المغرب نهاية الستينيات
وبداية السبعينات إلى الوجود، التي تعتبر تجربة رائدة لازالت تُلهم قطاع مهم من شباب اليسار،
هي فك الارتباط الايديولوجي والسياسي بتيارات القومية العربية، التي أوصلت حركة
التحرر الوطني آنذاك إلى النفق المسدود إلى الهزيمة أمام الصهيونية والامبريالية.
ويعرف الكل تاريخ سيطرة هاته التيارات على بعض الدول في القطر العربي. فمن شعارات
البناء الاشتراكي والتقدمية في عهد الاتحاد السوفياتي حيث كانت تركب على صراع القطبين،
تحولت إلى برجوازية بيروقراطية تبعية مضطهدتا كل الأصوات الرافضة لهيمنتها (اضطهاد
الشيوعيين والطبقة العاملة في كل من مصر وسوريا والعراق)، لتسقط في شراك الامبريالية
وتندمج في نظامها العالمي.
نفس السلوك السابق
الذي نهجته أحزاب القومية العربية في الستينيات والسبعينيات حيث كانت تتشبث بالسلطة
وتخاف الجماهير الشعبية، بدل اشراكها في مناهضة الامبريالية، ينهجه "حزب
البعث العربي الاشتراكي في سوريا". فهل يستطيع رفض التدخل الاجنبي وتأسيس
جبهة شعبية حقيقية ضد الفاشست الظلامي يطلق فيها المبادرة للجماهير ويسمح بتسليح
تنظيمات الدفاع الذاتي للجماهير؟
هل يكون الأمل
قادماً من الأعلام الحمراء التي اختلطت بين الأعلام الكردية في كوباني ومناطق
أخرى...؟ هل ستولد ألوية أممية جديدة هناك في مقابل الأممية الظلامية كما في الحرب
الأهلية الاسبانية...؟
لا أرمي من هذه
الورقة تقديم تحليل للوضع العالمي الجديد، ذلك يحتاج تحقيقات ودراسة ومجهود يتجاوز
الفرد الواحد، مجهود جماعي يدخل في سيرورة تغيير هذا الوضع بالذات. هدفي هو ضم
صوتي لأولئك الذين يرفضون الاختيار بين السيدا والطاعون.
فرغم اختلال ميزان
قوى الصراع الطبقي على المستوى العالمي لصالح الرأسمالية، فيبقى التناقض المحرك
والمحدد لباقي التناقضات هو التناقض بين الامبريالية والشعوب المضطهدة (أو
التبعية). الطرف الثانوي في هذا التناقض ضعيف جداً، ضعف فكري وسياسي بالأساس، ذلك
ما بينته انتفاضات ما يسمى "الربيع العربي" على الأقل على مستوى المنطقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق